مجمع البحوث الاسلامية
804
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
شرحه . وإذا كان هذا شأنه فمن فرعون وجنوده وثمود وجنودهم ، ألم يهلكهم اللّه ببطشه ، هذا ملخّص هذه الآيات ، إذن فلنشرع في ذكر جمال هذا القول فنقول ومن اللّه التّوفيق : اعلم أنّ النّاس يعيشون على الأرض غارقين في النّعم ، مغمورين في الخير تحيط بهم الأنوار الكوكبيّة والهواء الجوّيّ . ولا حياة للنّاس إلّا بالأضواء ولا بقاء لهم دقائق إلّا بالهواء ، ولا ترى أحدا من النّاس يفكّر في نعمة الهواء ، ولا في نعمة الأضواء الشّمسيّة والقمريّة والكوكبيّة . ولا حياة أيضا للنّاس إلّا بماء وبنبات وحيوان . فالنّاس غارقون في النّعم الهوائيّة والمائيّة والضّوئيّة والغذائيّة والدّوائيّة ، ونعم الملابس ، ونعم الدّول والممالك ، ونعم العلوم والدّيانات . لكن كثرة النّعم توجب إنكارها ، لأنّها لشدّة ظهورها زادت خفاء كثرة النّعم على النّاس حتّى صارت منكورة لأنّهم غرقوا فيها . هذا هو قوله تعالى : الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * وقوله : الْغَفُورُ الْوَدُودُ فانظر ما ذا فعل لتعرف إحسانه بالنّقم كما عرفت إحسانه بالنّعم . انظر ألست ترى أنّ الإنسان له روح وجسم ، فهذه النّعم لحياة الجسم وحياته قصيرة . فانظر كيف أراد اللّه أن يرينا ذلك ، فماذا فعل ؟ سلّط الحرّ والقرّ والقحط والمرض والوباء والجدريّ والتّيفوس والتّيفود والموت والفراق والقتل والخنق والضّرب والحرب والمدافع والطّيّارات والغازات الخانقة وعداوات الأمم لأجل الغذاء والملك . فهذه هي النّقم المذكورة في قوله : « العزيز » وفي قوله : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ، فبينما ينظر الإنسان في السّماء ذات البروج فيرى جمالا وإشراقا وحسنا وبهجة تأخذ بالألباب ؛ إذا به قد فجع بموت عظيم أو قريب أو حبيب ، أو فوجئ بخطب جسيم كأنّه يقال له : أنت لم تخلق للبقاء هنا ، فاذهب إلى ذلك الجمال . هذه النّقم هي الموقظات للأمم والأفراد فتجعلهم يفكّرون فيما حولهم ، وينظرون في أمرهم ، فالمريض يعرف نعمة الصّحّة . والجائع يعرف قيمه نعمة الغذاء . والّذي عطش يعرف نعمة الماء ، والأمم الّتي وقعت في حرب تعرف نعمة الاجتماع . فالنّاس يعيشون مذهولين من كثرة النّعم حتّى يحسد بعضهم بعضا على الصّحّة والقوّة والغنى والثّروة . فإذا جاءت الحرب عرفوا أنّ هؤلاء نعمة عليهم لا نقمة . وهناك تأخذ تلك المصائب تفتّح العقول المقفلة ، والأبواب الموصدة ، والأفهام الخامدة . والنّفوس الجامدة ، وتطلق الأرواح المسجونة ، ويقول العلماء : « لا يظهر الفلاسفة في أمّة إلّا أيّام محنتها » فالمحن تظهر مواهب هؤلاء الفلاسفة . شذرة عامّة من التّاريخ لقد قدّمت لك في هذا التّفسير ما خاطب به أرسطاطاليس الفيلسوف اليونانيّ تلميذه الإسكندر قائلا : « إيّاك أن تنيم الشّعب على فراش الرّاحة الوثير فإنّ النّاس لا يتحمّلون النّعم كما يتحمّلون النّقم » . ونصحه أن يشغل النّاس بأعمال وإلّا ذهبت منهم النّخوة وبطروا وشرهوا ، فاستولى عليهم الذّلّ والهوان وقهر